وهبة الزحيلي

90

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : بعد أن حكى اللّه تعالى تكذيب الكفار بالتوحيد وبالنبوة ، نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور ، مبينا أن حوار الأتباع والرؤساء من أهل الضلال لا فائدة فيه ، فإن العذاب شامل الفريقين ، وأن الجزاء العدل في الآخرة على وفق العمل في الدنيا ، ثم استثنى اللّه تعالى العباد الذين اصطفاهم لطاعته ، وأخلصوا العبادة لربهم ، فهم في ألوان متنوعة من النعيم المادي في الجنة من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وكذا من النعيم المعنوي حيث لا يشغلهم همّ ولا نصب ، ويستذكرون أحوالهم في الدنيا ، وأحاديثهم مع بعض القرناء الأخلاء . التفسير والبيان : يبين اللّه تعالى حال المكذبين الضالين ، وهو أيضا خطاب للناس ، فيقول : إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ أي إنكم أيها الكفار لتذوقن العذاب المؤلم في نار جهنم الذي يدوم ولا ينقطع . وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي إن جزاء كم لحق وعدل لا ظلم فيه ، وهو عقابكم على أعمالكم من الكفر والمعاصي ، فهي سبب الجزاء : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت 41 / 46 ] وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف 18 / 19 ] . بعد بيان حال المجرمين المتكبرين عن قبول التوحيد المصرّين على إنكار النبوة ، ذكر تعالى حال المخلصين في كيفية الثواب ، فقال : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ، أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ، فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ أي ولكن عباد اللّه الذين أخلصهم اللّه لطاعته وتوحيده ، وأخلصوا العمل للّه ، ناجون لا يذوقون العذاب ولا يناقشون الحساب ، بل يتجاوز عن سيئاتهم ، كما